ابو نور1
26-04-08, 04:45
بسم الله الرحمن الرحيم
شاب أبكى الرجال
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة الأحبة :
التلاوة العطرة ، والجهاد الطويل ، والاستعلاء العظيم الذي تميّزت به سيرة حياة مصعب بن عمير رضي الله عنه .
ذلك الصحابي الذي لقي العناء ، ومرّ بالفتنة تلو الفتنة ، ومر بالمحنة إثر المحنة ، ثم تغرب مهاجراً ، ثم خرج إلى المدينة داعياً ، ثم كان في كل الأحوال مسلماً مجاهداً .
وبعد أن رجع مصعب رضي الله عنه بالفتح العظيم الذي فتحه الله عز وجل على يديه .. إذ أشرق الإيمان في قلوب دور الأنصار في المدينة ؛ حتى اشتاقت لتحمل رسالة الإسلام ، وحتى تهيأت لاستقبال سيد الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام ، ثم بدأت الهجرة المباركة إلى المدينة المنورة لإقامة الدولة المسلمة ، ولتحقيق العدالة المفقودة ، ولإشاعة الأمن والسلام والطمأنينة ، ولقيام الحياة الهنيئة الوطيئة التي جاءت بها شريعة الإسلام وطبقها رسول الهدى صلى الله عليه وسلم.
وبدأت تباشير الهجرة بخروج صحب محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وتمّت واكتملت بحلوله عليه الصلاة والسلام ضيفاً عظيماً وفاتحاً وإماماً قائداً للمدينة المنورة ، وللجزيرة من بعد ذلك ، وللدنيا كلها .
وهاجر مصعبٌ رضي الله عنه هجرته الثالثة إلى المدينة المنورة ؛ حيث كان الإسلام والإيمان ، حيثما كانت نصرة الدين ، حيثما كان الأمر الذي يستدعيه هذا الإسلام كان مصعب ينطلق متجاوزاً الحدود متخطياً الصعاب ، مرافقاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ركب الإيمان ، وفي موكب الإسلام ، وفي خطى المؤمنين الصادقين ، والداعين المخلصين ، والمجاهدين المضحين في سبيل رب العالمين .
ومضى مصعبٌ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يخضون لهذه البشرية معالم الفوز والفلاح ، ويرسمون الصورة التي يريدها الله عز وجل من هؤلاء العباد على هذه البسيطة ، في هذه الحياة الدنيا التي تنقضي أيامها وسنواتها .
ثم جاءت الأيام بأحداثها ، وجاءت مواسم وملاحم الجهاد التي يمتحن فيها الإيمان ويزلزل زلزالاً شديداً ، والتي تختبر فيها قوة الرجال ، والتي محّص فيها الأبطال الذين يصدقون بأفعالهم أقوالهم ، والذين يخطون بدمائهم ما تلفظّوه بألسنتهم .
وجاء أول لقاءٍ وأول معركة بين الكفر والإيمان بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريشِ بعددهم وعتادهم .
جاء يوم الفرقان .. يوم بدر الذي لم يشترك فيه مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا عدد قليل من صحابته ، وكان من بين هذا العدد القليل مصعب بن عمير الذي لم يتخلف عن موكب الجهاد ، ولم تكن مشاركته مشاركة عابرة ؛ بل كان حامل اللواء في تلك المعركة ، وحسبك باللواء ومن يحمله ! إنه يمثّل هذا الدين ، ويرفع رايته ، وبذل روحه فدائه .. ولقد كان مصعب الخير رضي الله عنه ذلك الرجل وذلك المجاهد البطل .
ثم إنه كانت له في هذه المعركة مواقف بعد أن فرق الله بين الحق والباطل في يوم الفرقان ، بعد أن علت راية الإيمان ، وبعد أن هزم الكفر والطغيان ظهرت هذه الصور في سيرة مصعب بن عمير .
روى المقداد بن عمرو رضي الله عنه أنه قد أسر في يوم بدرٍ النضر بن الحارث - الذي كان أشد الناس عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن أكثر الناس كيداً لدعوة الإسلام ، وصداً عن دين الله عز وجل - قال المقداد بن عمرو : " أسرت النضر بن الحارث فأتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر المصطفى صلى الله عليه وسلم علياَ ابن طالب أن يضرب عنقه فقلت : أسيري يا رسول الله - فقد كان كلُ له أسيره له حظُ من فدائه - فقال المصطفى عليه الصلاة والسلام :
" قد كان يقول في كتاب الله وفي رسول الله ما يقول " .
وكان النضر بن الحارث عندما وقع في الأسر يقول : إن محمداً قاتلي فلقد نظر إلي وإني أعلم أني قد أبلغت فيه القول .
وكان يرى أن المصير أمامه واضح ، وكان يلتمس أي طريق يمكن أن يفك فيه رقبته ، فنظر فإذا به يرى مصعب بن عمير - وهو من بني عبد الدار من بني قبيلته وجلدته - فقال : يا مصعب كلّم صاحبك -يعني رسول الله- أنْ يجعلني كرجلٍ من سائر الناس أسيرٍ يُفْدى .
فقال مصعب : والله ما أنا بفاعل وأنت الذي قلت ما قلت في الله وفي رسوله وفي كتابه - أي في حرب الله وفي حرب رسوله صلى الله عليه وسلم - فقال النضر : يا مصعب أنت أمسُّ الناس بي رحِما و والله لو كنت حيَّاً ما قتلتك قريشٌ وأنا أنظر - أي بسبب صلة القربى ، والجاهلية كانت القرابة والحسب والنسب فيها له أعظم الأثر - فقال مصعب : لأراك صادقاً ولكني لست مثلك فإنّ الإسلام قد قطع العهود .
لا يستوي داعيةٌ إلى الله ورجلٌ يحارب دين الله وإن كان أخاه لأمه وأبيه !
يرسمها مصعب .. ليست كلماتٍ بالقول ؛ وإنما مواقف بالأفعال : إن الإسلام قد قطع العهود بيننا وبينكم ما دمتم تخالفون دين الله ، وتحاربون أولياء الله ، وتقفون في شقٍ محادٍ لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام .
" إن الإسلام قد قطع العهود بيننا " درسٌ في الولاء والبراء ، درسٌ في نصرة الإسلام والمسلمين ، درسٌ للوقوف أمام العتاة والبغاة الذين يتسنمون ذروة الحرب ضد الإسلام وأهله إن الإسلام قد قطع العهود بيننا وبينكم .
ويأتي موقف آخر هو أعظم في شخصية مصعب بن عمير وأبلغ في درس الولاء والبراء :
يمضي مصعب بن عميرٍ وقد انقضت المعركة ، وكلٌ يأخذ بيد أسيره ، فيمر على رجلٍ من الأنصار ومعه أسير - وأي أسير - إنه أبو عزيز بن عمير - شقيق مصعب بن عمير - لأمه وأبيه، كان الأنصاري يأخذ بأخ مصب بن عمير ، فرآه مصعب - بعد أن قال النبي صلى الله عليه وسلم : ليأخذ كلٌ أسيره ، وقال : استوصوا بهم خيراً ، فلما رأى مصعب أخاه في الأسر .. هل رق له قلبه ؟ وهل نسي إسلامه بذكر قرابته ؟
قال للأنصاري : " شدّ عليه وثاقه ؛ فإن له أماً كثيرة المال تفديه " .
فقال كما يروي أبو عزيز : أهذه وصاتك بي يا أخي ؟!
فقال مصعب بن عمير : هو أخي دونك .
أي قبلُك مقربٌ إليَّ ، محبوبٌ عندي ، أوثره بنفسي ومالي ، وأقدّمه على نفسي في بعض الأحوال ، هو أقرب إليّ منك ؛ لأن قرابته قرابة العقيدة والإيمان ، وقرابتك قربة الدم واللحم ؛ فإن خالفت العقيدة والإيمان فإنها تكون دونية ، وتكون ساقطة لا اعتبار لها إلا بحق الإسلام ، وإلا في إطار ما يشرعه الإسلام من كمال الآداب ، ومن كمال الإنسانية التي جاء بها هذا الدين .. إنه أخي دونك .
وكان يعلن مصعب رضي الله عنه - وقد فرقت الأيام بينه وبين أخيه ، وقد علم ما تكن أمه لأبنائها ، وما تشفق عليه من مشاعرها ومن حنوها - فقال : شدّ عليه وثاقه ؛ فإن له أماً كثيرة المال تفديه " .
ليعلّمنا مصعب أن الذي يقدم في كل شيءٍ - حتى في مشاعر النفس وخفقات القلب وميل الحب ونصرة البغض - إنما هو الإيمان كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم : ( أوثق عرى الإيمان : الحب في الله ، والبغض في الله ) .
وكما أخبر عليه الصلاة والسلام : ( ثلاثٌ من كنّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ) .
عندما تستولي العقيدة على القلب ، وتتملك النفس ؛ حينئذٍ يكون كل شيء من الله ، ومن رسوله صلى الله عليه وسلم ، وفي نصرة هذا الدين مقربٌ محبب على كل شيءٍ سواه - وإن كان من أسباب الحياة الدنيا ومن قرابة الرحم ونحو ذلك - وكذا كان مصعب يرفع لواء الإسلام بيده ، ويرفع حقائقه بأقواله وأفعاله .
وتمرّ الأيام .. وتأتي معركة أحدٍ ، وما أدراك ما معركة أحد !
مبدأها جولة انتصارٍ ساحقةٍ للمسلمين ، وفي آخرها نوع من تقصيرٍ وتفريطٍ من الرماة ، دارت به الدائرة على المسلمين ، وانكشف كثيرٌ من المسلمين ، وأحيط برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتجلت صورٌ من الجهاد والتضحية والفداء سطرها الصحابة رضوان الله عليهم لا يمكن أن يكتب التاريخ مثيلاً لها ..
كان من سطروها جملة وافرة .. رجالاً ونساءً .. صغاراً وكباراً .. مهاجرين وأنصار ..
ونستمع إلى روايةٍ ترويها أم عمارة رضي الله عنها - إحدى النساء المجاهدات المدافعات المنافحات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - لتخبرنا عن حقيقة الموقف ، وأين كان الرجال في ذلك المعترك ، وذلك الخضم .. تقول أم عمارة :
فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أباشر القتال ، وأذب عنه بالسيف ، وأرمي عن القوس حتى خلصت إليّ الجراح ، ولما ولى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - أي انفض بعض المهاجمين بعد هذا الترس ، وبعد هذا السياج المدافع عن رسول الله عليه الصلاة والسلام - ولما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل ابن قمئة وهو يقول : " دلّوني على محمد لا نجوت إن نجا .. دلوني على محمد لا نجوت إن نجا " .
تقول أم عمارة :
" فاعترضت له أنا ومصعب بن عميرٍ وأناس ممن ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم " .
كان مصعبُ هناك وهو حامل راية الإسلام والمسلمين في معركة أحد أيضا ، وجاء ابن قمئة يبحث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما عرف أن بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم صدور ونحور ، ورجال ونساء ، وأبطال وكماة يفدون رسول الله عليه الصلاة والسلام ، ويصدون عنه كل عدوان ، ويدفعون عن دين الإسلام ، فما بلغ من رسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغاً ، ثم التفت ابن قمئة إلى الراية .. الراية التي لم تزل مرفوعة في يد مصعب بن عمير رضي الله عنه ، رغم هذه الدائرة ، ورغم ذلك المعترك ، ورغم كونه في المنطقة الحساسة إلى جوار المصطفى عليه الصلاة والسلام .
فالتفت إلى الراية - رمز القوة في الجيش - والتفت إلى مصعب بن عمير ، وتوجه له وحاربه وقاتله ، فقطع يده اليمنى بضربة سيف قاصمة ، فأخذ مصعب الراية بيساره ، فعاجله فقطع يساره ، فحنى عليها مصعب بعضديه ليرفع راية الإسلام عالية ، ويبقى شرف الانتساب إلى الإسلام يلاحقه ، ويضرب فيه المثل للأمة حتى آخر لحظة ، ثم يدق صدره برمحه فيخر مصعب لوجهه ، وتسقط الراية لحظات فيأخذها اثنان من بني عبد الدار من أهل مصعب بن عمير من أهل الإسلام ، فيهم أبو الروم بن عمير - أخو مصعب بن عمير - فيرفعان راية الإسلام مرة أخرى ، ويثبت المسلمون وينسحب أبو سفيان ومن معه من قريش .. لم ينالوا من محمدِ عليه الصلاة والسلام شيئاً ، وبقي في القوم أبو بكر وعمر وجلة الصحابة رضوان الله عليهم ، ومضى من مضى من الشهداء .. أسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب - عم المصطفى صلى الله عليه وسلم - وسبعون من خيار الصحابة رضوان الله عليهم ، ويتفقد رسول الله صلى الله عليه وسلم ساحة المعركة ، ويمر ويرى مصعب بن عمير مضرجاً بدمائه ، ويقف المصطفى صلى الله عليه وسلم - كما تذكر كتب السيرة أمام مصعب بن عمير - ويتلو قول الله عز وجل : { من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا } .
كان مصعب بن عمير مثلاً عظيماً جعل النبي صلى الله عليه وسلم يتلو هذه الآية فوق جثته الطاهرة ، وعند دمائه الزكية العطرة.
وينظر النبي صلى الله عليه وسلم إليه وإلى الشهداء من حوله ، ويقول : ( أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة ، فاتوهم وزوروهم ، والذي نفسي بيده لا يسلّم عليهم أحدٌ إلى يوم القيامة ، إلا ردوا عليهم سلامه ) .
هكذا ختم مصعب بن عمير .. تلك السيرة العطرة بهذه الدماء الذكية ، وذلك الثبات العجيب ، وذلك الإيمان الراسخ ..
رحم الله مصب بن عمير وتقبله في الشهداء المقبولين ، وجعلنا على إثره سالكين ، وألحقنا به على خطى المؤمنين الثابتين المجاهدين .. إنه وليّ ذلك والقادر عليه .
الخطبة الثانية
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون :
والتفت الصحابة إلى هذا الشاب ليكفنوه فلم يجدوا له إلا بردة - أو ثوباً - لا يستر جسمه كله ، إذا غطوا رأسه بدت قدماه ، وإذا غطوا القدمين بدا الرأس ، فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف الذي أبكى قلوب الصحابة وأجرى دموعهم : ( غطوا رأسه واجعلوا على قدميه شيئاً من الإدخر ) .
وبقيت هذه الصورة محفورة في أذهان الصحابة .. بكى لأجلها عبد الرحمن بن عوف يوم صام وأفطر على طعامٍ فيه صنفين من الطعام ، بكى يتذكر مصعب بن عمير الذي مضى على هذه الهيئة ، لم يجدوا له ما يكفنونه به ، وقال عبد الحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه : أخشى أن يكون قد عجلت لنا طيباتنا " .
وخباب بن الأرت - المعذّب في سبيل الله بسياطٍ بقيت على ظهره آثارها إلى موته - يتذكر مصعب بن عمير : " مضى يوم مضى ولم يرى من ثمرة الإسلام شيئا " .
أي شيء رأى مصعب بن عمير ؟! لم يرى شيئا مما جرى بعد ذلك .. لم يشهد فتح مكة ، لم يشهد الأصنام وهي تتهاوى واحداً إثر واحد !!
لم يشهد خالد بن الوليد - سيف الله المسلول - وهو يدكّ عروش الفرس والروم .. لم يشهد ما وراء ذلك في عهد الفاروق يوم انساحت دولة الإسلام شرقاً وغرباً .. لم يشهد دنيا فتحت على المسلمين من بعده ، لم يلقى زوجة .. لم يخلف ولداً .. فأي شيءٍ جنى مصعب بن عمير ؟!
مرّ بحياة صعبة ، ومعاناة مريرة ، ومواقف عصيبة .. فأي شيءٍ جنى ؟ وأي شيء أخذ مصعب بن عمير ؟!
لقد أخذ طابعاً ، وأخذ شهادة لو فنيت الحياة كلها بكل ما فيها من نعيمٍ ، وما فيها لكان قليلاً في حق هذه الشهادة .. شهادة من الله عز وجل : {ولا تحسن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءُ عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون } .
وشهادة عظيمة من سيد الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام عندما وقف تلك الوقفة التي لن تمحى من سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام وسيرة مصعب بن عمير ؛ ليشهد المصطفى صلى الله عليه وسلم بانطباق تلك الآية وبالحكم للشهادة لمصعب بن عمير .
فأي خير حازه وجناه مصعب ؟!
لئن ترك نساء الدنيا ؛ فإنه قد لقي الحور العين ، ولئن ترك الدور فقد لقي القصور ..
وإن الله سبحانه وتعالى قد أعدّ له وللشهداء ممن شهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أُحداً والمشاهد مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .
عندما امتلأ قلب مصعب بالتعلق بالآخرة كان يحدوه الأمل إليها ، وكان يرتقب اللذة فيها ، وكان يشتاق إلى النعيم في ظلالها .
لم يكن يميل قلبه ، ولا ينشغل فكره بما قد ينشغل به أهل الدنيا .. أفليس جدير بنا أن نحكي قصة مصعب لأبنائنا ، وأن ننصبه قدوة لشبابنا ، وأن نجعله عبرة وعظة لرجالنا ، وأن نجعله دروساً تتلى على أمتنا يوم مال إلى الآخرة في يومٍ يميل فيه أكثر المسلمين إلى الدنيا .. يوم آثر الشهادة ثابتاً في المواقف العصيبة ، والمحن الرهيبة .. في زمنٍ كثر فيه تقهقر الناس عند أدنى عارض لا يعد بالمقياس شيئا يذكر لما لقيه مصعب بن عمير .
فلنجعل سيرة مصعب بن عمير دروساً نتلوها ونذكرها ؛ حتى تحيي هذه المعاني في قلوبنا ، وحتى تكون بداية لتغيير سلوكنا ؛ فإن سير الصحابة رضوان الله عليهم وسير الأسلاف الصالحين رضوان الله عليهم حياة للقلوب ، تذكرة للعقول ، تقويم للسلوك ، تصحيح لمسار الأمة التي غابت عنها هذه السير في كثير من معطيات حياتها ، ووسائل إعلامها ، وانشغلت كثير من الأجيال بأمور وقصصٍ وسيرٍ لا تعد في ميزان الإسلام شيئا ، وليس لها في مقياس الإيمان أية قيمة وإنما يصدق في كثير منها خبر المصطفى الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام عن آخر الزمان : ( .. حتى يقال للرجل ما أعقله ! ما أظرفه ! ما أعلمه ! وليس في قلبه من الإيمان مثقال حبة خردل " .
يوم تنتكس الموازين تجيء مثل سيرة مصعب لتقومها وتعدلها وتذكرنا بموازين الإيمان : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } .
لتذكرنا بأخوة الإيمان : { إنما المؤمنون إخوة } .
لتذكرنا بالشوق إلى الجنان كما صنع مصعب رضي الله عنه .. فالله نسأل أن يحي قلوبنا ، وأن يوقظ عقولنا وأن يقوّم سلوكنا ..
شاب أبكى الرجال
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة الأحبة :
التلاوة العطرة ، والجهاد الطويل ، والاستعلاء العظيم الذي تميّزت به سيرة حياة مصعب بن عمير رضي الله عنه .
ذلك الصحابي الذي لقي العناء ، ومرّ بالفتنة تلو الفتنة ، ومر بالمحنة إثر المحنة ، ثم تغرب مهاجراً ، ثم خرج إلى المدينة داعياً ، ثم كان في كل الأحوال مسلماً مجاهداً .
وبعد أن رجع مصعب رضي الله عنه بالفتح العظيم الذي فتحه الله عز وجل على يديه .. إذ أشرق الإيمان في قلوب دور الأنصار في المدينة ؛ حتى اشتاقت لتحمل رسالة الإسلام ، وحتى تهيأت لاستقبال سيد الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام ، ثم بدأت الهجرة المباركة إلى المدينة المنورة لإقامة الدولة المسلمة ، ولتحقيق العدالة المفقودة ، ولإشاعة الأمن والسلام والطمأنينة ، ولقيام الحياة الهنيئة الوطيئة التي جاءت بها شريعة الإسلام وطبقها رسول الهدى صلى الله عليه وسلم.
وبدأت تباشير الهجرة بخروج صحب محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وتمّت واكتملت بحلوله عليه الصلاة والسلام ضيفاً عظيماً وفاتحاً وإماماً قائداً للمدينة المنورة ، وللجزيرة من بعد ذلك ، وللدنيا كلها .
وهاجر مصعبٌ رضي الله عنه هجرته الثالثة إلى المدينة المنورة ؛ حيث كان الإسلام والإيمان ، حيثما كانت نصرة الدين ، حيثما كان الأمر الذي يستدعيه هذا الإسلام كان مصعب ينطلق متجاوزاً الحدود متخطياً الصعاب ، مرافقاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ركب الإيمان ، وفي موكب الإسلام ، وفي خطى المؤمنين الصادقين ، والداعين المخلصين ، والمجاهدين المضحين في سبيل رب العالمين .
ومضى مصعبٌ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يخضون لهذه البشرية معالم الفوز والفلاح ، ويرسمون الصورة التي يريدها الله عز وجل من هؤلاء العباد على هذه البسيطة ، في هذه الحياة الدنيا التي تنقضي أيامها وسنواتها .
ثم جاءت الأيام بأحداثها ، وجاءت مواسم وملاحم الجهاد التي يمتحن فيها الإيمان ويزلزل زلزالاً شديداً ، والتي تختبر فيها قوة الرجال ، والتي محّص فيها الأبطال الذين يصدقون بأفعالهم أقوالهم ، والذين يخطون بدمائهم ما تلفظّوه بألسنتهم .
وجاء أول لقاءٍ وأول معركة بين الكفر والإيمان بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريشِ بعددهم وعتادهم .
جاء يوم الفرقان .. يوم بدر الذي لم يشترك فيه مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا عدد قليل من صحابته ، وكان من بين هذا العدد القليل مصعب بن عمير الذي لم يتخلف عن موكب الجهاد ، ولم تكن مشاركته مشاركة عابرة ؛ بل كان حامل اللواء في تلك المعركة ، وحسبك باللواء ومن يحمله ! إنه يمثّل هذا الدين ، ويرفع رايته ، وبذل روحه فدائه .. ولقد كان مصعب الخير رضي الله عنه ذلك الرجل وذلك المجاهد البطل .
ثم إنه كانت له في هذه المعركة مواقف بعد أن فرق الله بين الحق والباطل في يوم الفرقان ، بعد أن علت راية الإيمان ، وبعد أن هزم الكفر والطغيان ظهرت هذه الصور في سيرة مصعب بن عمير .
روى المقداد بن عمرو رضي الله عنه أنه قد أسر في يوم بدرٍ النضر بن الحارث - الذي كان أشد الناس عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن أكثر الناس كيداً لدعوة الإسلام ، وصداً عن دين الله عز وجل - قال المقداد بن عمرو : " أسرت النضر بن الحارث فأتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر المصطفى صلى الله عليه وسلم علياَ ابن طالب أن يضرب عنقه فقلت : أسيري يا رسول الله - فقد كان كلُ له أسيره له حظُ من فدائه - فقال المصطفى عليه الصلاة والسلام :
" قد كان يقول في كتاب الله وفي رسول الله ما يقول " .
وكان النضر بن الحارث عندما وقع في الأسر يقول : إن محمداً قاتلي فلقد نظر إلي وإني أعلم أني قد أبلغت فيه القول .
وكان يرى أن المصير أمامه واضح ، وكان يلتمس أي طريق يمكن أن يفك فيه رقبته ، فنظر فإذا به يرى مصعب بن عمير - وهو من بني عبد الدار من بني قبيلته وجلدته - فقال : يا مصعب كلّم صاحبك -يعني رسول الله- أنْ يجعلني كرجلٍ من سائر الناس أسيرٍ يُفْدى .
فقال مصعب : والله ما أنا بفاعل وأنت الذي قلت ما قلت في الله وفي رسوله وفي كتابه - أي في حرب الله وفي حرب رسوله صلى الله عليه وسلم - فقال النضر : يا مصعب أنت أمسُّ الناس بي رحِما و والله لو كنت حيَّاً ما قتلتك قريشٌ وأنا أنظر - أي بسبب صلة القربى ، والجاهلية كانت القرابة والحسب والنسب فيها له أعظم الأثر - فقال مصعب : لأراك صادقاً ولكني لست مثلك فإنّ الإسلام قد قطع العهود .
لا يستوي داعيةٌ إلى الله ورجلٌ يحارب دين الله وإن كان أخاه لأمه وأبيه !
يرسمها مصعب .. ليست كلماتٍ بالقول ؛ وإنما مواقف بالأفعال : إن الإسلام قد قطع العهود بيننا وبينكم ما دمتم تخالفون دين الله ، وتحاربون أولياء الله ، وتقفون في شقٍ محادٍ لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام .
" إن الإسلام قد قطع العهود بيننا " درسٌ في الولاء والبراء ، درسٌ في نصرة الإسلام والمسلمين ، درسٌ للوقوف أمام العتاة والبغاة الذين يتسنمون ذروة الحرب ضد الإسلام وأهله إن الإسلام قد قطع العهود بيننا وبينكم .
ويأتي موقف آخر هو أعظم في شخصية مصعب بن عمير وأبلغ في درس الولاء والبراء :
يمضي مصعب بن عميرٍ وقد انقضت المعركة ، وكلٌ يأخذ بيد أسيره ، فيمر على رجلٍ من الأنصار ومعه أسير - وأي أسير - إنه أبو عزيز بن عمير - شقيق مصعب بن عمير - لأمه وأبيه، كان الأنصاري يأخذ بأخ مصب بن عمير ، فرآه مصعب - بعد أن قال النبي صلى الله عليه وسلم : ليأخذ كلٌ أسيره ، وقال : استوصوا بهم خيراً ، فلما رأى مصعب أخاه في الأسر .. هل رق له قلبه ؟ وهل نسي إسلامه بذكر قرابته ؟
قال للأنصاري : " شدّ عليه وثاقه ؛ فإن له أماً كثيرة المال تفديه " .
فقال كما يروي أبو عزيز : أهذه وصاتك بي يا أخي ؟!
فقال مصعب بن عمير : هو أخي دونك .
أي قبلُك مقربٌ إليَّ ، محبوبٌ عندي ، أوثره بنفسي ومالي ، وأقدّمه على نفسي في بعض الأحوال ، هو أقرب إليّ منك ؛ لأن قرابته قرابة العقيدة والإيمان ، وقرابتك قربة الدم واللحم ؛ فإن خالفت العقيدة والإيمان فإنها تكون دونية ، وتكون ساقطة لا اعتبار لها إلا بحق الإسلام ، وإلا في إطار ما يشرعه الإسلام من كمال الآداب ، ومن كمال الإنسانية التي جاء بها هذا الدين .. إنه أخي دونك .
وكان يعلن مصعب رضي الله عنه - وقد فرقت الأيام بينه وبين أخيه ، وقد علم ما تكن أمه لأبنائها ، وما تشفق عليه من مشاعرها ومن حنوها - فقال : شدّ عليه وثاقه ؛ فإن له أماً كثيرة المال تفديه " .
ليعلّمنا مصعب أن الذي يقدم في كل شيءٍ - حتى في مشاعر النفس وخفقات القلب وميل الحب ونصرة البغض - إنما هو الإيمان كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم : ( أوثق عرى الإيمان : الحب في الله ، والبغض في الله ) .
وكما أخبر عليه الصلاة والسلام : ( ثلاثٌ من كنّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ) .
عندما تستولي العقيدة على القلب ، وتتملك النفس ؛ حينئذٍ يكون كل شيء من الله ، ومن رسوله صلى الله عليه وسلم ، وفي نصرة هذا الدين مقربٌ محبب على كل شيءٍ سواه - وإن كان من أسباب الحياة الدنيا ومن قرابة الرحم ونحو ذلك - وكذا كان مصعب يرفع لواء الإسلام بيده ، ويرفع حقائقه بأقواله وأفعاله .
وتمرّ الأيام .. وتأتي معركة أحدٍ ، وما أدراك ما معركة أحد !
مبدأها جولة انتصارٍ ساحقةٍ للمسلمين ، وفي آخرها نوع من تقصيرٍ وتفريطٍ من الرماة ، دارت به الدائرة على المسلمين ، وانكشف كثيرٌ من المسلمين ، وأحيط برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتجلت صورٌ من الجهاد والتضحية والفداء سطرها الصحابة رضوان الله عليهم لا يمكن أن يكتب التاريخ مثيلاً لها ..
كان من سطروها جملة وافرة .. رجالاً ونساءً .. صغاراً وكباراً .. مهاجرين وأنصار ..
ونستمع إلى روايةٍ ترويها أم عمارة رضي الله عنها - إحدى النساء المجاهدات المدافعات المنافحات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - لتخبرنا عن حقيقة الموقف ، وأين كان الرجال في ذلك المعترك ، وذلك الخضم .. تقول أم عمارة :
فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أباشر القتال ، وأذب عنه بالسيف ، وأرمي عن القوس حتى خلصت إليّ الجراح ، ولما ولى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - أي انفض بعض المهاجمين بعد هذا الترس ، وبعد هذا السياج المدافع عن رسول الله عليه الصلاة والسلام - ولما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل ابن قمئة وهو يقول : " دلّوني على محمد لا نجوت إن نجا .. دلوني على محمد لا نجوت إن نجا " .
تقول أم عمارة :
" فاعترضت له أنا ومصعب بن عميرٍ وأناس ممن ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم " .
كان مصعبُ هناك وهو حامل راية الإسلام والمسلمين في معركة أحد أيضا ، وجاء ابن قمئة يبحث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما عرف أن بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم صدور ونحور ، ورجال ونساء ، وأبطال وكماة يفدون رسول الله عليه الصلاة والسلام ، ويصدون عنه كل عدوان ، ويدفعون عن دين الإسلام ، فما بلغ من رسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغاً ، ثم التفت ابن قمئة إلى الراية .. الراية التي لم تزل مرفوعة في يد مصعب بن عمير رضي الله عنه ، رغم هذه الدائرة ، ورغم ذلك المعترك ، ورغم كونه في المنطقة الحساسة إلى جوار المصطفى عليه الصلاة والسلام .
فالتفت إلى الراية - رمز القوة في الجيش - والتفت إلى مصعب بن عمير ، وتوجه له وحاربه وقاتله ، فقطع يده اليمنى بضربة سيف قاصمة ، فأخذ مصعب الراية بيساره ، فعاجله فقطع يساره ، فحنى عليها مصعب بعضديه ليرفع راية الإسلام عالية ، ويبقى شرف الانتساب إلى الإسلام يلاحقه ، ويضرب فيه المثل للأمة حتى آخر لحظة ، ثم يدق صدره برمحه فيخر مصعب لوجهه ، وتسقط الراية لحظات فيأخذها اثنان من بني عبد الدار من أهل مصعب بن عمير من أهل الإسلام ، فيهم أبو الروم بن عمير - أخو مصعب بن عمير - فيرفعان راية الإسلام مرة أخرى ، ويثبت المسلمون وينسحب أبو سفيان ومن معه من قريش .. لم ينالوا من محمدِ عليه الصلاة والسلام شيئاً ، وبقي في القوم أبو بكر وعمر وجلة الصحابة رضوان الله عليهم ، ومضى من مضى من الشهداء .. أسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب - عم المصطفى صلى الله عليه وسلم - وسبعون من خيار الصحابة رضوان الله عليهم ، ويتفقد رسول الله صلى الله عليه وسلم ساحة المعركة ، ويمر ويرى مصعب بن عمير مضرجاً بدمائه ، ويقف المصطفى صلى الله عليه وسلم - كما تذكر كتب السيرة أمام مصعب بن عمير - ويتلو قول الله عز وجل : { من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا } .
كان مصعب بن عمير مثلاً عظيماً جعل النبي صلى الله عليه وسلم يتلو هذه الآية فوق جثته الطاهرة ، وعند دمائه الزكية العطرة.
وينظر النبي صلى الله عليه وسلم إليه وإلى الشهداء من حوله ، ويقول : ( أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة ، فاتوهم وزوروهم ، والذي نفسي بيده لا يسلّم عليهم أحدٌ إلى يوم القيامة ، إلا ردوا عليهم سلامه ) .
هكذا ختم مصعب بن عمير .. تلك السيرة العطرة بهذه الدماء الذكية ، وذلك الثبات العجيب ، وذلك الإيمان الراسخ ..
رحم الله مصب بن عمير وتقبله في الشهداء المقبولين ، وجعلنا على إثره سالكين ، وألحقنا به على خطى المؤمنين الثابتين المجاهدين .. إنه وليّ ذلك والقادر عليه .
الخطبة الثانية
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون :
والتفت الصحابة إلى هذا الشاب ليكفنوه فلم يجدوا له إلا بردة - أو ثوباً - لا يستر جسمه كله ، إذا غطوا رأسه بدت قدماه ، وإذا غطوا القدمين بدا الرأس ، فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف الذي أبكى قلوب الصحابة وأجرى دموعهم : ( غطوا رأسه واجعلوا على قدميه شيئاً من الإدخر ) .
وبقيت هذه الصورة محفورة في أذهان الصحابة .. بكى لأجلها عبد الرحمن بن عوف يوم صام وأفطر على طعامٍ فيه صنفين من الطعام ، بكى يتذكر مصعب بن عمير الذي مضى على هذه الهيئة ، لم يجدوا له ما يكفنونه به ، وقال عبد الحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه : أخشى أن يكون قد عجلت لنا طيباتنا " .
وخباب بن الأرت - المعذّب في سبيل الله بسياطٍ بقيت على ظهره آثارها إلى موته - يتذكر مصعب بن عمير : " مضى يوم مضى ولم يرى من ثمرة الإسلام شيئا " .
أي شيء رأى مصعب بن عمير ؟! لم يرى شيئا مما جرى بعد ذلك .. لم يشهد فتح مكة ، لم يشهد الأصنام وهي تتهاوى واحداً إثر واحد !!
لم يشهد خالد بن الوليد - سيف الله المسلول - وهو يدكّ عروش الفرس والروم .. لم يشهد ما وراء ذلك في عهد الفاروق يوم انساحت دولة الإسلام شرقاً وغرباً .. لم يشهد دنيا فتحت على المسلمين من بعده ، لم يلقى زوجة .. لم يخلف ولداً .. فأي شيءٍ جنى مصعب بن عمير ؟!
مرّ بحياة صعبة ، ومعاناة مريرة ، ومواقف عصيبة .. فأي شيءٍ جنى ؟ وأي شيء أخذ مصعب بن عمير ؟!
لقد أخذ طابعاً ، وأخذ شهادة لو فنيت الحياة كلها بكل ما فيها من نعيمٍ ، وما فيها لكان قليلاً في حق هذه الشهادة .. شهادة من الله عز وجل : {ولا تحسن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءُ عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون } .
وشهادة عظيمة من سيد الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام عندما وقف تلك الوقفة التي لن تمحى من سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام وسيرة مصعب بن عمير ؛ ليشهد المصطفى صلى الله عليه وسلم بانطباق تلك الآية وبالحكم للشهادة لمصعب بن عمير .
فأي خير حازه وجناه مصعب ؟!
لئن ترك نساء الدنيا ؛ فإنه قد لقي الحور العين ، ولئن ترك الدور فقد لقي القصور ..
وإن الله سبحانه وتعالى قد أعدّ له وللشهداء ممن شهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أُحداً والمشاهد مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .
عندما امتلأ قلب مصعب بالتعلق بالآخرة كان يحدوه الأمل إليها ، وكان يرتقب اللذة فيها ، وكان يشتاق إلى النعيم في ظلالها .
لم يكن يميل قلبه ، ولا ينشغل فكره بما قد ينشغل به أهل الدنيا .. أفليس جدير بنا أن نحكي قصة مصعب لأبنائنا ، وأن ننصبه قدوة لشبابنا ، وأن نجعله عبرة وعظة لرجالنا ، وأن نجعله دروساً تتلى على أمتنا يوم مال إلى الآخرة في يومٍ يميل فيه أكثر المسلمين إلى الدنيا .. يوم آثر الشهادة ثابتاً في المواقف العصيبة ، والمحن الرهيبة .. في زمنٍ كثر فيه تقهقر الناس عند أدنى عارض لا يعد بالمقياس شيئا يذكر لما لقيه مصعب بن عمير .
فلنجعل سيرة مصعب بن عمير دروساً نتلوها ونذكرها ؛ حتى تحيي هذه المعاني في قلوبنا ، وحتى تكون بداية لتغيير سلوكنا ؛ فإن سير الصحابة رضوان الله عليهم وسير الأسلاف الصالحين رضوان الله عليهم حياة للقلوب ، تذكرة للعقول ، تقويم للسلوك ، تصحيح لمسار الأمة التي غابت عنها هذه السير في كثير من معطيات حياتها ، ووسائل إعلامها ، وانشغلت كثير من الأجيال بأمور وقصصٍ وسيرٍ لا تعد في ميزان الإسلام شيئا ، وليس لها في مقياس الإيمان أية قيمة وإنما يصدق في كثير منها خبر المصطفى الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام عن آخر الزمان : ( .. حتى يقال للرجل ما أعقله ! ما أظرفه ! ما أعلمه ! وليس في قلبه من الإيمان مثقال حبة خردل " .
يوم تنتكس الموازين تجيء مثل سيرة مصعب لتقومها وتعدلها وتذكرنا بموازين الإيمان : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } .
لتذكرنا بأخوة الإيمان : { إنما المؤمنون إخوة } .
لتذكرنا بالشوق إلى الجنان كما صنع مصعب رضي الله عنه .. فالله نسأل أن يحي قلوبنا ، وأن يوقظ عقولنا وأن يقوّم سلوكنا ..